24
مايو
بحوث ودراسات: الكنعانيــون.. الديـــن والبنيـــة الذهنيـــة
يوسف يوسف القسم الأول
تلتقي الديانات القديمة في تصوراتها بما يسمى بـ(مجمّع الآلهة). والكنعانيون مثل غيرهم من الأقوام القديمة المحيطة بهم، كانت لهم تصوراتهم التي أثرت وتأثرت بما حولها من الديانات. وهذا أمر طبيعي، خصوصا بين أقوام هذه المنطقة، ذلك لأن عوامل الالتقاء بينها أقوى من عوامل التنافر، وتظل هي الأقوى، لأسباب جغرافية، وأخرى غيرها عرقية. فالغالبية من هذه الأقوام نزحت من شبه الجزيرة العربية، التي ظلت الخزان الذي تخرج منه الهجرات المتعاقبة، وبسبب هذا الالتقاء فإننا نرى التشابه في المفاهيم، وإن تباينت الصياغات أحيانا.
وبخصوص الكنعانيين وآلهتهم، فإن الإله (أيل) يوضع عادة في رأس القائمة، وهو رئيس مجمع الآلهة، أي كبيرها. ويوصف عادة بأنه رب السموات والأرض وبقية المخلوقات. إنه أيضا المتعالي، الذي يحتجب فوق كرسيه في السماء السابعة. وقد انتشرت عبادته بين مختلف عشائر الكنعانيين، ابتداء من الألف الثالثة قبل الميلاد. وهناك أيضا ضمن المجمع الإلهي، الإلهة أشيرة أو شعيرة، وهي الأم الكبرى، وزوجة أيل، وترمز للخصب والعطاء. أيضا هناك الإلهة عناة، التي هي ابنة أيل، وتلقب بالعذراء تارة، وبالخطّابة-التي تخطب الفتيان والفتيات بعضهم للبعض الآخر- تارة أخرى. وهي إلهة الحب التي يقوم على أكتافها الحفاظ على الأسرة الكنعانية، وهي التي تحافظ على الأخلاق بصورة عامة. وهناك الإله بعل، الذي هو رب المطر والسحاب والصواعق ، وهو سيد الزراعة الذي يحارب بضراوة. وإلى جانب هؤلاء هناك آلهة أخرى عديدة. والكنعانيون إجمالا سبقوا أمم العالم طرا في نشر أرقى ديانات الأمم السامية الوثنية، لذلك كان تأثيرهم الديني لا يقل عن تأثيرهم العلمي والصناعي. ويأخذ الدكتور أحمد سوسه عن الشيخ نسيب الخازن قوله: لم تكن أخلاق الكنعانيين مهيأة للغزو والتقتيل، فقد كانت ديانتهم وملامحهم وآدابهم تدور حول أبوة الواحد (أيل) الذي يوصف غالبا بالخالق الجبار.
وتكمن أهمية الديانة الكنعانية كذلك، في أنها جاءت كأساس للاهوت التوحيدي الذي وصلنا مع الديانات السماوية الثلاث. وإلى هذا يقول العلامة (شافر). إن ما يسبغه الكنعانيون من نعوت التعظيم والتفوق لإله واحد فوق الجميع، يدل دلالة واضحة على ميلهم إلى تقبّل عقيدة التوحيد، بل إن التوراة نفسها التي صبّت عليهم اللعنات، تشير إلى وجود قبيلة كنعانية كانت تؤمن بعقيدة التوحيد. وفي اعتقادنا فإن هذا كله، يرتبط بنضوج البنية الذهنية عندهم. إن نضوج البنية الذهنية وكما نرى، ينعكس على البعد العقيدي في حياة أي مجتمع، أو بتعبير آخر، فإن رقي الحالة العقيدية، يتناسب طرديا مع سمو البنية الذهنية وتطورها. فإذا كانت الثانية متطورة، فإن الاولى العقيدية ان تكون كذلك، والعكس صحيح كذلك.
عند البحث في بدايات الفكر اللاهوتي في أي من الحضارتين الكنعانية أو السومرية،نكتشف كما يقول يوسف حوراني أن النظرة اللاهوتية لم تكن خيالية غيبية، كما هي الحال في الفكر الهوميري مثلا، بل كانت انفعالا حيا يسود يوميات حياة الانسان، وينظم شؤونه وعلاقات مجتمعه، وكانت تلك الديانتان تستوعبان جميع ميول الانسان الواقعية والتجريدية معا، فتحل محل مفاهيم العلم وتصنيفاته لمبادئ الطبيعة، كما تحل المفاهيم التجريدية كالحق والعدالة وقوانين الدولة وقيم السلوك. وإلى ذلك فإن أيل المتعالي المحتجب، يوصف في التراتيل الشعرية الكنعانية، بأنه هو الذي يبعث المطر، فيجعل الأودية تفيض عسلا. ولقد تعامل الذهن الكنعاني مع أيل باعتباره فكرة مطلقة ، لها ارتباط بنواميس الطبيعة، وغير ذلك مما يكشف ابتعاده عن العواطف والأهواء في الوقت الذي يبدو فيه قادرا على فعل كل شيء.
لقد اعتقد الكنعانيون بأن كلا من الآلهة والانسان وكذلك الكون قد خلقت جميعها في الوقت نفسه، على يد إله واحد، أزلي قديم، هو الإله(يم). وأما عملية تشخيص الآلهة على هيئة بشر، وقيامهم بما يقوم به البشر، فإنها عملية مجازية، ترتبط بعلاقة الدين الكنعاني بقوى الطبيعة، ولكن دون أن يقود هذا التشخيص إلى ظهور عقائد خرافية أو مبالغات خيالية. ولأنهم على سبيل المثال يبحثون عن علاقة هذه القوى بالزراعة، فقد عبدوا في بواكير حياتهم الدينية الشمس لارتباطها بالنمو، كما عبدوا الأرض وجعلوها إلهة تتعهد شؤون الزراعة والخصب. وعلى الرغم من أن الكنعانيين كما تشير العديد من الآثار، كانوا يقيمون لبعض آلهتهم تماثيل ونقوشا ورسوما، أو أنهم كانوا يجسدونها في هيئة الانسان الذي له هيبة إلهية، إلا أنهم كانوا ينفرون من عبادة الأصنام أو التماثيل في أشكالها الظاهرة للعيان، وهي مداخل يتم العبور من خلالها إلى قيم عليا في الحياة، فكيف نفهم علاقة الشعب الكنعاني بآلهته؟
لا تقتصر الديانة الكنعانية على تسميات بعينها كمثل: مجمع الآلهة، إله الأموات، إله الأجداد، إله المطر والسحاب وغيرها من الآلهة، ولا على طقوس بعينها كذلك كمثل: الصلاة، الشكوى والتضرع بصوت مرتفع، التطهر، تقديم القرابين ، وسواها ، وإنما لها نظرتها الحاصة للاله أيل الأعلى المتعالي المحتجب، وللشعب-شعب أيل الأبدي، وللعلاقة بينهما كثنائي يدور حول فكرة: مخافة الآلهة هي في نهاية الزهو. وإلى ذلك أيضا فإن الأسطورة الأوغاريتية-الكنعانية تتجه لتفسير الطبيعة وموجوداتها بطريقة تروي توق الانسان الكنعاني لرؤية الخصب في كل من الأرض والحيوان والانسان جميعها معا، ودوام اتصال دورة الطبيعة. وقد صيغت الأسطورة الكنعانية لذلك في قالب حركي، مليء بالفعل، بفضل الذهنية البعيدة كل البعد عن التجريد. لذلك نجد الآلهة التي تمثل تشخيصا لظواهر الطبيعة، وغيرها مما ترتبط بالواقع الاجتماعي، تقوم دوما بأفعال حركية متعاقبة ، دون أن تتوقف وعلى غرار ما نراه في كل من (يم) و(بعل) و(أشيرة) و(عناة)..إلخ.
لقد كانت للديانة الكنعانية سلطتها الكبيرة على الفرد والمجتمع. وهي بسبب هذه السلطة، تركت تأثيراتها حتى على أدق التفاصيل في حياة الكنعانيين، الذين كانوا يذعنون إليها بأريحية بالغة، وبدون أي إحساس بكونها ديانة تمارس العسف معهم. وعلى هذا فإن أثرها لا يتوقف عند الجانب المعنوي الأخلاقي، وإنما امتد ليجد انعكاسه في السلوك، ومن هنا يتم الحديث عن واقعية الديانة الكنعانية ، وهي الصفة التي بسببها ابتعدت عن المثالية الخرقاء.
من بين أبرز ما يطالعنا في المشهد الديني لفلسطين الكبرى(سوريا، لبنان، فلسطين) هو آلاف من التماثيل الأنثوية الصغيرة، على هيئة جذع ورأس ونهدين عاريين، وجدت في كل موقع أثري تقريبا، سواء في المعابد والمقامات الدينية، أو في بيوت الناس العاديين. وبالطبع فإنه ليس من المعقول النظر إلى هذه التماثيل بمعزل عن عقيدة الخصب التي سادت آنذاك، وآمن بها الكنعانيون هم الآخرون.وإلى هذا الفهم، ينقل فراس السواح الباحث والمؤرخ المعروف عن وليام ديفر قوله: إن مهمتي كعالم آثار هي أن أفهم هذه التماثيل في سياقها الزمني. وبما أننا لا نصنفها في زمرة الدمى العادية، فإنني أعتقد بأنها تماثيل خصب أنثوية ، وأنها تمثل الإلهة عشيرة التي نعرف عنها الكثير. أما لماذا عشيرة ؟ فذلك لأن الكنعانيين كانوا يعتقدون كما ذكرنا، بأنها أم الآلهة، ومرضعتها جميعها، ولأنهم يرون فيها إلهة للحب، وراعية للأمهات في أيام الحمل والولادة، ولأنها في اعتقادهم ترعى شؤون الأسرة.
تذكرنا إشارة وليام ديفر إلى تماثيل الخصب الأنثوية، بتلك الفرية الكبيرة التي حاولت الدراسات التوراتية إلصاقها بالديانة الكنعانية ، ونقصد اتهامها لها بأنها إحدى عقائد الخصب الهابطة، وهذه التهمة كما يجمع مفكرون كثيرون ممن درسوا الديانة الكنعانية، مجرد أكذوبة، الغاية منها تشويه هذه الديانة لأسباب سياسية، وليس لغيرها من الأسباب التي يمكن أن يقبلها العقل. فالدين عند الكنعانيين يظهر دوما كمؤسسة اجتماعية أخلاقية، تعنى بوقائع يوميات الانسان، وهو يصون قيمه، ويحمي ضعفه، ودوما، فإنه لم يكن يعني الخرافات والقصص الخيالية بين الآلهة، دون ضابط منطقي أو مبرر فني تشخيصي يميز بين الجوهر والشكل كما لدى الاغريق، بل إن الآلهة عند الكنعانيين لم تكن تخوض الحروب رغبة فيها أو لاستعراض قوتها، وإنما لتحقيق أشياء يسعى الناس لتحقيقها. هذا ما نراه في حروب عناة على وجه التحديد، من أجل إنقاذ مملكة أوغاريت، وما نراه أيضا في أسباب حروب بعل هو الآخر. كل هذا لأن الفكر الكنعاني ينطلق من الوجود ذاته. وأما ما يبدو لنا من أفكار غيبية، فليست سوى أطر تضم هذا الفكر. وتبدو لنا أخيرا في هذا الدين، الرغبة في زرع الحب والوئام في نفوس الناس، والعمل على إبعادهم عن الحروب والعدوان، وإذا ما صادف وحدث الخطأ في حياة إنسان ما، فإن هذا الدين سرعان ما يدفعه للبحث عن أفضل الطرق للتطهر من الآثام، عبر طقوس الديانة بالطبع، كالصلاة والشكوى لــ”أيل” بتقديم القرابين والذبائح وقرع الطبول والاغتسال وسواها الكثير.
http://www.alitthad.com/paper.php?name=News&file=article&sid=27889
ما صلة ابراهيم ببناء الكعبة. كان من اكبر معابد الهندوسية ويحتوي على الحجر الاسود (القضيب الذكوري للمولى مهاديف شيڤَ داخل فرج زوجته دورْچا وهي الطبيعة المادية) وجماعهما يمثل اقتران الروح بالمادة وولادة الحياة من رحمها. ومن عادة الهندوس تكريمه بسكب الحليب عليه وتقديم الزهور والبخور إليه طمعاً بإنجاب ذرية صالحة.
جاء الاسلام رافضاً تراثه القديم للإلتحاق بقافلة التوراة البابلية الغربية. لكن عملية الرفض الدينية للتراث القديم وطمسه ونعته بالجاهلية وانضمامه إلى الحضارة البابلية الغربية كانت متكلفة لم تنجح بل بقي العربي يشعر بانفصام الشخصية ما بين التراث والدين وما يزال يشعر بالغربة عنها. طمس الماضي هو سبب الجمود الحضاري الذي يعانيه العربي. حالة التمزق بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية سببت ضياع هوية العربي ولن ينجح دون اعادة النظر بالعصر الجاهلي ومراجعة تاريخه الذي يهرب منه.
هذه صورة من فوق للحجر الاسود الموجود في مكة وتبدو آثار دقه أو تحطيمه على يد القرامطة:

وهذه صورة عضو المولى مهاديف شيف في المعابد الهندية واحجامه مختلفة:


وهذا هو الهلال على رأس مهادف شيف الذي يرفعه الاسلام:

هذه هي صورة فيشنو يستعلي البحر السببي وتطفو على مياهه البيض الكوني:

1- الصورة الاصلية لشخصية الله العظيم المعبود في منطقة البحر المتوسط كانت رادْها-كْرِشْنَ و بَلَرامَ وكان مركز التربية القديم في جزيرة رودوس اليونانية.
2- اليهود والمصريين والاوروبيين عبدوا الرب كْرِشْنَ في صور كثيرة معروفة حتى اليوم. صور مثل متْسْيا و كورمَ و نْرِسيمْهَى دِڤَ و كالكي. كان هذا التقليد هليوبولتي لأنهم عبدوا هليوس (اليونانية لكلمة هَري).
3 مئات اسماء الالهة اليهودية والمصرية واليونانية الرومانية تدل بوضوح على اسماء كْرِشْنَ أو ڤيشْنو.
- الرموز الدينية الرسمية بما فيها الاختام الرسمية لممالك اسرائيل ويهودا كان رموز فايشنفية ومتصلة اتصالا مباشراً بدين اخناتون والتقاليد الـڤايشْنَڤَية في الهند.
5-الدين المصري القديم ابتدأ بصورة نهرين (نارايانَ) يستعلي المياه الاولية. زهرة لوتس تنمو من سرته ويظهر عليها بْرَهْما ذو الاذرع الاربعة والرؤوس الاربعة الذي تكلم الخلق.
6-الـڤايشْنَڤَية القديمة في الشرق الاوسط تفهم فقط عند مقارنتها بالاسفار الـڤايشْنَڤَية ولا سيما بْهچَڤَدْ چيۤتا و شْريۤمَدْ بْهاچَڤَتَمْ حيث يكشف الهيكل الكوني (ڤيراط روۤپ). للمثال، كشف كْرِشْنَ في نصوص “أنا” في بْهچَڤَدْ چيۤتا يوازي هْرْ-هِري مصر القديمة. لذلك، الدين المصري يعتبر هْرْ-هِري اصل الارباب. لهذا السبب، استعملوا اسم هر-هِري أو أسو (ڤَسو) مع الارباب بمثابة وجوه هِري. لذلك، كان رب الثروة يدعى كِپِى-هِري لأن كْرِشْنَ يقول في بْهچَڤَدْ چيۤتا “أنا كوپِرَ”.
المدن الهيليوبولية كانت دوماً يسودها رب هيليوس (هَري). كان يعبد مع العزة أو شَكْتي. يستدل على ذلك ان الصورة الاصلية لهليوس (هَري) كانت تعبد على جزيرة رودروس بصفة كوروس. صورة العزة كانت رودا.
8- حتى العلماء اليوم يقبلون أن كوروس كان اصل جميع الالهة اليونانية. هو يوصف بالجمال الفتي يرعى ابقاره البيضاء المقدسة مع اخوه الاكبر وخلانه. يعزف على الناي ويقود الشباب في الرقص فيما يقرعون الصناج. يرقص مع رودا وامتداداتها في رقصة دائرية تدعى رقصة الكوروس. وبصفة رب الرقص يدعى كورويوغيوس التي اشتقت منها كلمة الكورييوغرافر. ريشة الطاووس كانت أهم رمز لكل من هليوس وكوروس. كانت عبادة هليوس (هَري) بصفة رب القلب والحب في مجمل المنطقة. لهذا السبب هو رب جميع الاحياء والثقافات والتقاليد.
كانت الشعوب الميتانية تتكلم السنسكريتية وتكتبها وعبدوا إلهة ڤِدية مثل ميتر و ڤَرونَ و إنْدْرَ و نستْيا (اشفين) واستعملوا الارقام السنسكريتية.
من بين التشويهات الكبرى التي تعرض لها تاريخ البلدان الشرقمتوسطية (العربية) ، هي كتابة التاريخ الديني من وجهة نظر توراتية عرقية تفصل تماما بين الاديان السماوية (اليهودية والمسيحية والاسلام) والميراث الديني السابق الذي كان سائدا في اوطاننا خلال آلاف الاعوام. ثمة اتفاق غير معلن بين العلمانيين والمتدينين على تجاهل حقيقة التاريخ الديني المتواصل والمشترك بين جميع ادياننا. ان عدم ادراك هذه الحقيقة كان مدفوعا بغايات آيدلوجية استعمارية من قبل المؤسسات الاستشراقية والصهيونية من اجل تقسيم شعوب المنطقة الى جماعات دينية وطائفية متصارعة ومتنافسة لأنها تجهل القاسم التاريخ والروحي المشترك بين معتقداتها. يكفينا مثال الحركة الصهيونية كأكبر دليل على النجاح في اصطناع (امة ودولة) بالاعتماد على تضخيم الخصوصية اليهودية وفصلها تماما عن تاريخ وحضارة المنطقة.
ان هذا الجهل بحقيقة الميراث المشترك بين أدياننا ومذاهبنا ادى الى تعميق الخلاف، ليس بين ابناء هذه المعتقدات، بل خصوصا بين التيارين (العلماني والديني). لقد تجاهل العلمانيون حقيقة العمق الحضاري التاريخي لوجود الاديان في منطقتنا، بسبب اعتمادهم السطحي على التحليل (العلمي المادي)، حيث ساد الإعتقاد بأن ادياننا ومذاهبنا امور تاريخية مؤقتة وطارئة يكفي تجاهلها واحتقارها حتى يتم الغائها وتناسيها!!
ثمة سؤال منطقي يطرح نفسه: هل يمكن الحديث عن اية فكرة او دين او معتقد من دون الحديث عن طبيعة الزمان والمكان التي نشأت فيه؟ فهل يمكن مثلا فصل تاريخ نشوء الهندوسية عن طبيعة الهند وتاريخها وميراثاتها السابقة للهندوسية . نفس الشيء بالنسبة للتاوية الصينية او البوذية ، وغيرها من الاديان . فكيف حصل انه تم فصل الاديان السماوية عن ميراثات منطقتنا التي نشأت فيها؟ بل الانكى من هذا، تم إعتبار الديانة اليهودية هي الاساس الذي انبثقت منه باقي الاديان، واعتبار كل الميراثات الدينية الشامية والعراقية والمصرية، مشركة ووثنية وميتة ولم تشكل أي اساس في الاديان السماوية .. وهذا يعني بكل بساطة ان تراثنا الديني والروحي الحالي ليس له أي علاقة بميراثتنا الوطنية الاصلية.
منذ القرن الماضي قد بدأ المؤرخون الغربيون يعيدون النظر تماما بالميراث اليهودي وحكاياته الاسطورية التي لم يتم العثور لها حتى الآن على اية اشارة او دليل بين هذا الكم الهائل من المكتشفات الآثارية للحضارات العراقية والشامية والمصرية. النتيجة المعقولة التي تم شبه الاتفاق عليها حتى من قبل علماء اسرائيل، ان حكايات التورات عن ممالك اليهود وملوكهم وانبيائهم ومغامراتهم الخارقة، ماهي الا حكايات شعبية تم توارثها وتضخيمها من جيل الى آخر، كما يحدث لكل اساطير الشعوب. لنا على هذا نماذج السير الشعبية العربية مثل عنتر بن شداد والزير سالم والضاهر بيبرس، وغيرها. لكن ميزة اساطير التورات ان اليهود استطاعوا ان يضفوا عليها القدسية من خلال مزجها مع الاساطير الدينية العراقية اثناء كتابتهم للتورات في بابل.
رغم هذه الحقيقة التي باتت معروفة منذ اوائل هذا القرن، والتي تبناها حتى يهود معروفين مثل عالم النفس (فرويد) في كتابه الشهير (موسى والتوحيد)، الا انه حتى الآن لم يتم تبنيها وتطويرها من قبل الناطقين بالعربية بسبب الموانع القومية والسلفية. صحيح ان هنالك الكثير مما ترجم وكتب عن الاديان المصرية والشامية والعراقية، الا ان الحديث عن العلاقة بين تلك الأديان الاولى والاديان السماوية، ظلت محدودة وحتى مقموعة. منذ اواخر السبعينات بدأت تظهر بعض المحاولات الجادة الجريئة في هذا المجال، الا انه حتى الآن لا زالت محاولات محدودة لم تأخذ طابعها السائد والمعروف بين المثقفين وعموم المتعلمين.
ان أي معتقد لا يمكنه ان ينبثق ويتطور ويستمر الا لأنه يلبي حاجة روحية تاريخية للمجتمع الذي ينبثق فيه وكذلك المجتمعات التي ينتشر فيها. وعندما تتغير ظروف المجتمع وتختلف حاجته فأن ذلك المعتقد اما ان يبقى متحجرا فيضمر ويموت كما حدث لكثير من الاديان والمعتقدات في التاريخ وآخرها الشيوعية، او انه يمتلك ديناميكية خاصة تساعده على التقولب حسب الظروف والحاجات الجديدة، كما هو حال الاديان الكبرى الشائعة حاليا في العالم منذ قرون عديدة ، مثل الاسلام والمسيحية والبوذية والهندوسية وغيرها ، والتي تعيش ازمات داخلية مستمرة لكي تواكب متغيرات الحياة السريعة والعاصفة.
على هذا الأساس يمكننا دراسة التاريخ الديني للعالم العربي (الشرقمتوسطي) وبأديانه السماوية المعروفة(اليهودية والمسيحية والإسلام) بكل تنوعاتها المذهبية والفقهية. يمكن تقسيم التاريخ الديني لمنطقتنا الى مرحلتين متداخلتين:المرحلة الوثنية التعددية ، المرحلة العرفانية التوحيدي.
الثنائية التوحيدية
ان الميراث الديني العراقي الشامي( بالإضافة الى الميراث المصري، كما سنبين فيما بعد) هو الأساس الذي إنبثقت منه الأديان السماوية. ان ميراث هذه المنطقة مشترك ومتشابه الى حد بعيد بسبب التشابه الحضاري واللغوي منذ فجر التاريخ، والمتأتي من التداخل الجغرافي بين العراق والشام حتى انهما شكلا منطقة شبه موحدة اطلق عليها فيما بعد تسمية (الهلال الخصيب) ، ونحن نفضل تسمية (منطقة المشرق).
ان تعدد اسماء الآلهة ووجود الاصنام في ديانة المشرق، برر الاعتقاد السائد بأنها ديانة (وثنية تعددية) . لكنها بحقيقتها العميقة ليست بهذه الدرجة من الوثنية والتعددية. ان هذه المرحلة تحمل الكثير من الملامح الأساسية التي شكلت فيما بعد المرحلة العرفانية (التوحيدية) التالية. ليست بالصدفة ابدا ان المعتقدات (السماوية التوحيدية) نشأت في منطقتنا وليس في الهند مثلا او الصين او اوربا. لأن هذه الديانة التوحيدية ما كانت تنبثق الا بعد أن هيأت لها المرحلة الدينية (الوثنية) السابقة التي كانت سائدة .
ان ما سميت بالديانة الوثنية هي اقرب الى المعتقد (الحلولي) الذي يؤمن بأن (روح الأله) تحل وتدخل في كل مكونات الوجود، كما يسري غذاء الشجرة من الجذور والجذع الى الاغصان والاوراق. مثلما كل ورقة هي جزء من الشجرة، كذلك البشر والطبيعة كل منها تمثل جزءا من الأله الخالق الكلي. وما اسماء الآلهة الا اسماء اغصان شجرة الوجود هذه . ويمكن وصف هذه الديانة بأنها اقرب الى(الثنائية التوحيدية)، أي وجود الأيمان بوجود قوتين مختلفتين متكاملتين يشتركان بغاية الهية واحدة:
اولاـ ثنائية ( المادة والروح ) :
ينقسم الوجود الى الطبيعة المادية المرئية المحسوسة المتمثلة بالارض بما فيها من بيئة وحيوان وإنسان، ثم الروح الألهية الكلية القدرة والمسؤولة عن منح الحياة لتلك الطبيعة المادية. ان كل شيء مادي في الوجود له روحه الالهية الخالدة المسؤولة عنه التي تمنحه طاقة الحياة . بما ان الوجود المادي متنوع ويتكون مما لايحصى من الاشياء المختلفة القيمة والحجم والفائدة والذكاء فأن الوجود الروحي الالهي هو الآخر منقسم الى نفس التنوع . أي ان مملكة الانسان على الارض مماثلة لمملكة الآلهة في السماء . لهذا فأنه في الأساطير العراقية يكثر الحديث عن (مجمع الآلهة) الذي تسود بين اعضائه نوعا من (الديمقراطية التقليدية) حيث تسيطر النخبة على الأغلبية الضعيفة ثم يسيطر الاله الكلي على النخبة. مثلما في مملكة الانسان، هنالك (الملك الكلي) وحوله الكثير من المراتب والدرجات والوظائف من وزارء وإمراء وحكماء وقضاة ومحاربين وجلادين، كذلك في ملكوت السماء (الاله الكلي) الذي سماه السومريون (ايا او انليل ) وسماه الساميون عموما (ايل ، ايليا ) بمعنى (العالي) ومنه مشتقات (علي ، اله ، الله). هنالك ايضا ( آلهة ) تابعة عديدة لا تحصى لكل منها اختصاصه ومسؤوليته عن مظاهر الحياة الكبيرة والصغيرة ، من الذكورة والانوثة والموت والنور والضجروالفرح وغيرها وغيرها. هذه الصورة تشبه كثيرا ما هو معروف في الاديان التوحيدية حيث هنالك الرب الجليل الاعلى ومعه الملائكة المتنوعي المراتب والاختصاصات ، مثل جبرائيل حامل الوصايا والرسائل وعزرائيل قابض الارواح ، وعدد هائل من الملائكة والانبياء والقديسين لكل منهم له اهميته وتأثيره على الطبيعة وعلى الانسان. لكي تتضح حقيقة تلك الاديان القديمة يمكننا ان نستبدل تسمية (اله) بتسمية روح او ملاك او نبي او قديس او إمام شفيع.
كثيرا ما يميل بعض المؤرخين الى اطلاق تسمية (عبادة الكواكب) على هذه الديانة المشرقية ، بسبب التأكيد على دور الكواكب (الآلهة) في هذه الديانة. والحقيقة أنه بسبب علاقة سكان الهلال الخصيب المباشرة مع السماء حيث لا زال الناس حتى الآن ينامون تحت السماء في معظم ليالي السنة. هذا الاتصال اليومي مع السماء خلق متابعة ومعرفة تفصيلة بالكواكب والنجوم . لقد برع العراقيون خصوصا في علم الفلك وحساباته الدقيقة، ورصدوا تحركات الكواكب السبعة المعروفة حينذك : الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل . لقد لاحظوا ان هذه الكواكب لها تأثير على نشاطات الطبيعة والانسان، منها مثلا علاقة القمر بظاهرة المد والجزر وتنوع النباتات وكذلك العادة الشهرية لدى المرأة. على هذا الاساس فأنهم اعتبروا هذه الكواكب تجليات الهية تساهم بالتحكم بالطبيعة والانسان، أي أن هنالك نوعا من النظام الكوني الذي يجعل كل شيء في الكون يؤثر في باقي الاشياء ويتأثر بها. لقد اطلق العلم الحديث على هذا النظام تسمية (الساعة الفلكية).
اعتبر القدماء كل كوكب يمثل قوى الهية معينة، مثلا الشمس (الاله شمش) يمثل قوة النور والحق والعدالة، فهو مثلا الذي منح (حمورابي) شريعته. اما كوكب الزهرة فهي الالهة (عشتار) نجمة الصباح والخصوبة والأنوثة. اما القمر (سين) فهو اله المشاعر والحدس والتأثيرات السحرية .. الخ . على هذا الأساس تم تقسيم الأسبوع الى سبعة ايام ، حيث يمثل كل يوم احد الكواكب.
بناء على المراقبة الطويلة قسموا السنة الى 12 شهر، وكل شهر يسيطر فيه كوكب معين مع مجموعة نجوم تؤثر في الاحداث وفي مواليد ذلك الشهر. من هذا نشأ علم التنجيم ونظام الابراج الشخصية، الذي يشكل جزءا اساسيا من ديانة اهل العراق وكذلك الشام . لقد شاع علم الأبراج فيما بعد في مصر ثم في ايران والهند وفي باقي العالم. لا زال حتى الآن تقديس الكواكب السبعة والابراج الأثني عشر واضحا في الكثير من المذاهب الأسلامية مثل الأسماعيلية والدرزية والعلوية، بالاضافة الى الصابئية واليزيدية…
ثانياـ ثنائية (الأنوثة والذكورة):
رغم هذا التعدد الكبير في اسماء الآله والفوضى التي توحي بها الأساطير المتداولة عن تلك الاديان
ان جوهر الديانة المشرقية يتلخص بكلمة واحدة هي ((الإخصاب)). بمعنى ان الوجود بأكمله يتكون من طرفين او طاقتين او جوهرين متكاملين هما : روح الانوثة الممثلة بالألهة المعروفة (عشتار ـ أي العشيرة والوفيرة والكثيرة) التي سميت ارنينا بالسومري وعزة بالعربي. ثم روح الذكورة الممثلة بالاله (تموز ـ أي ابن المياه وجالبها باللغة السومرية) وتناوبت عليه اسماء عدة مثل نبو وحدد، وفي الشام ساد اسمه (بعل). ان الحياة لا تنبثق الا بإتحاد هذين الطرفين من خلال عملية الأخصاب. الاسطورة العراقية تحدثنا عن ثور الهي يقف في اعالي النهر وتتدفق منه سوائل الخصب في الارض كما تدفق سوائل الذكر في انثاه ! إذن فأن فعل (الاخصاب) ليس فعلا جنسيا ثانويا مثل كل افعال الطبيعة الاخرى، بل هو الفعل الأساسي والأول الذي منه تنبثق الحياة بكل اشكالها النباتية والحيوانية والانسانية. انه نقيض فعل الموت والقحط والجفاف. حسب هذه المعتقد أن الارض بكل مكوناتها الطبيعية والحيوانية هي مركز الانوثة، وان السماء هي مركز الذكورة. لكي تتخصب الحياة على الارض يتوجب على السماء ان تبعث لها طاقتها الذكورية المتمثلة بمياه الامطار والانهار وما يصاحبها من بروق ورعود ورياح وانوار. لهذا فأن اله الكون الاكبر (ايل ـ الله) يبعث في مطلع كل ربيع ابنه او ملاكه او تجليه (تموز) ليخصب (عشتار) لكي تستمر الحياة بدورتها. على هذا الأساس تم اعتبار مطلع الربيع (اول نيسان، نيشان بالاكدي أي العلامة، حيث تظهر علامات الخصب) بداية السنة الجديدة ومولد أول الأبراج(الحمل).
هنالك التباس معروف لدى الباحثين حول طبيعة عشتار ، فهي تارة الهة حب وخصب، وتارة اخرى هي الهة حرب ودمار؟ السبب الحقيقي يعود الى ان عشتار تبحث عن خصب الذكورة ليس في المياه وحدها بل خصوصا في الدماء التي هي جوهر الحياة وحاملة روح الاخصاب. لهذا فأن (حمورابي) يصفها في شريعته : ((سيدة المعارك والحروب .. تجندل المحاربين وتسقي الارض بدمائهم .. )) . ان المرأة تتخصب بعد نزف دماء الحيض، وعندما تلد كذلك تنزف الدم ، وهذا الواقع منح لرمز الدم هذا الدور الاخصابي. من هنا اتت عادة تقديم القرابين (كبش الفداء ) الذي لا زال شائعا في الاديان التوحيدية.
لقد لاحظ المشارقة انه وسط الصيف واشتداد الحرارة تنقطع الامطار وتجف الانهار وتتيبس النباتات ويخيم شبح القحط على الحياة. عللوا ذلك بموت اله الذكورة تموز بعد تلقيه طعنة من خنزير بري وابتلاعه من قبل آلهة القحط والموت (ارشيكغال) في اعماق ظلمات الارض. لهذا السبب اطلقوا تسمية (تموز) على هذا الشهر اللهاب. وتتكرر دورة الحياة والموت، الاخصاب والجفاف، هذه كل عام . ان الانسان عنصر فعال في عملية الاخصاب هذه، لأنه بتناسله وزراعته وتدجينه للحيوانات يشارك الاله سلطته الاخصابية. يستمر الناس طيلة العام بتقديس الالهة عشتار وتقديم القرابين لها والصلوات للأله الاكبر (ايل) من اجل ان تهبط عشتار الى الأعماق وتنقذ تموز وتعيده من جديد الى الارض ليخصبها في مطلع الربيع.
إذن ، من بين كل العدد الهائل من اسماء الآلهة المشرقية، يمكن تمييز ثلاثة اسماء كبرى فاعلة وحاسمة في الوجود : (ايل) رب السماء والاله الاكبر والحاكم الكلي، ثم (تموز او بعل) رسول السماء واله الذكورة ومخصب الحياة ، ثم (عشتار) الهة الانوثة والامومة والطبيعة والحياة والمشاعر. ان هذا الثلاثي الالهي نجده في كل ديانات الهلال الخصيب، مع اختلاف الاسماء ، حسب اختلاف المناطق والدول والسلالات. بل حتى في مصر التي كانت حضارتها متداخلة الى حد بعيد مع حضارة الكنعانيين خصوصا ثم العراقيين، فأنها في القرون الأخيرة قد كونت ثلاثيها الالهي : جب (الاب ) واوزيريس (الابن) وايزيس (اخته وزوجته).
ان ثنائيتي (الروح والمادة ) و(الأنوثة والذكورة) المتكامليتن ، تتحكم بهما ثنائية تناقضية كبرى وحاسمة ، هي ثنائية (الخير والشر) او(النور والضلمة)، لكن هذه الثنائية التاقضية تتركز حول ثنائية(الاخصاب الحياة ـ الجفاف الموت). هنالك قوى الخير والخصب التي ذكرناها اعلاه ولكن ايضا هناك قوى الموت والشر التي تتمثل بأسماء مثل (ارشيكغال وموت ) آلهة العالم السفلي. كذلك فأن الموتى غير المدفونين بشكل لائق والذين لم يتم بأسمهم تقديم العطاءات للفقراء ، فأن ارواحهم تتحول الى شريرة وتؤذي الاحياء، ومنهم شاعت معتقدات (الجن) وكذلك (الطناطنل في العراقي).
الميراث المصري والمرحلة العرفانية التوحيدية
ان منطقة(شرق المتوسط) (العالم السامي الحامي) أي ما نسميه حاليا(العالم العربي)، قد بدأت تفقد قواها الحضارية والعسكرية والسياسية امام الزخم الهائل لإجتياحات الشعوب الرعوية الآرية (بدو آسيا) #. منذ الألف الثاني ق.م بدأت هذه القبائل الرعوية الجامحة تخرج من مناطقها في اواسط آسيا مستخدمة اخطر آلة حربية لم تعرف من قبل:(الحصان)!! بعد الف عام من الكفاح والغزوات والإجتياحات تمكنت هذه الشعوب اليافعة ان تفرض وجودها وسلطانها في المناطق المجاورة للمشرق الشامي العراقي: ايران والقفقاس والأناضول، وكذلك في مناطق الساحل الغربي من البحر المتوسط أي في اوربا : الاغريق ثم الرومان.
منذ الألف الاول ق.م بدأ العراق يفقد قدرته على الصمود ازاء ضغوطات هؤلاء الرعاة المحاربين، الميديين من الشرق والأرمن والأناضوليين من الشمال، مدعومين بالحصان آلتهم الفعالة! ان الذي زاد بالطين بلة انه في نفس هذه الحقبة بدأت القبائل البدوية في بادية الشام والجزيرة العربية تستخدم الجمل كآلة حربية صحراوية جبارة تساعد على التنقل والغزو.(لأول مرة يتم ذكر اسم العرب في التاريخ ، كان في الوثائق الآشورية في القرن الثامن ق.م مع ذكر الجمل معهم)!!
كل هذه الضغوطات مع ظروف البيئة وغدر النهرين وطوفانتهما المدمرة وما تسببة من خراب وطواعين ، ادت الى انهاك الدولة والمجتمع وتفاقم الانحطاط الحضاري والروحي وانتشار الانقسامات والصراعات الداخلية: السلالة الشمالية الآشورية ضد السلالة الجنوبية الكلدانية ، وحروب اقليمية مدمرة : اجتياحات العراقيون للشام ثم لمصر. حتى انتهى هذا الأنحدار والأنحطاط بالسقوط التام لجميع الدول الوطنية في المنطقة ابتداءا من القرن السادس ق.م: العراق والشام ومصر ، وآخرها الدولة القرطاجية في شمال افريقيا.
لقد تمكنت القوى الآرية الجديدة (ايرانية ويونانية ثم رومانية وبعدها بيزنطية) ان تفرض سيطرتها التامة خلال اكثر من الف عام، حتى الفتح الأسلامي في القرن السابع. يمكن تشبيه هذه الحقبة بأواخر الدولة العباسية حيث بدأ الأنحطاط بحروب داخلية وانقسامات اقليمية وتغلغل آسيوي(تركستاني وايراني) وكذلك اوربي صليبي، وانتهت بالإجتياح المغولي ثم السيطرة العثمانية على كامل المنطقة لعدة قرون.
مع هذا الانحطاط الحضاري والروحي ثم السقوط السياسي العسكري والخضوع لهؤلاء الغزاة الجدد، دخلت المنطقة تيارات فكرية دينية جديدة: ايرانية وهندية واغريقية ورومانية، امتزجت كلها وذابت في ديانة الخصب والكواكب الأصلية لتنبثق منها ديانة جديدة فيها الكثير من الروحانيات الآسيوية والمنطق الاغريقي الروماني مع جوهر ديانة الخصب والكواكب الاصلية.
من الصعب الحديث عن المشرق العراقي الشامي من دون الحديث عن مصر. صحيح ان التفاعل الحضاري بين العراق والشام كان من القوة بحيث انه خلق طيلة التاريخ شبه وحدة حضارية روحية لغوية رغم الفوارق السياسية، الا ان مصر كان لها دائما حضورا سياسيا وعسكريا مهما في الشام. كذلك ان الهجرات الشامية الى مصر لم تتوقف طيلة التاريخ، حتى يصح القول بأن اغلب سكان مصر من الناحية العرقية ماهم الا مزيج من العنصرين، السامي(الشامي ثم العربي) والحامي(السوداني والليبي).
ان منطقة الشام لعبت دائما مركز استقطاب وصهر للحضارتين العراقية والمصرية، بحكم الموقع الوسطي للشام بين هذين البلدين. من اكبر الأمثلة ، اكتشاف الابجدية من قبل الشاميين (الالف الأول ق.م) من خلال الجمع الأبداعي للكتابتين المسمارية والهيروغلوفية. مع الزمن اخذ دور الشاميين الوسطي الجامع يمارس تأثيره من كل النواحي، وخصوصا من الناحية الروحية الدينية. أي من خلال الجمع التلقائي الطبيعي بين الديانتين العراقية والمصرية ، لتنتج (العرفانية التوحيدية) التي انبثقت منها المسيحية ثم الأسلام.
منذ القرن الثالث ق.م بدأ (الشرقمتوسطيون) يستعيدون توازنهم بالتدريج بعد النكسة التاريخية الخطيرة. امام ضعفهم العسكري السياسي وشعورهم بالقدرية ازاء جبروت الأحتلال الاجنبي، بدأوا يعوضون عن خضوعهم بتنمية قواهم الروحية والثقافية. مراكز حضارية شرقمتوسطية عديدة راحت تنبثق هنا وهناك : الاسكندرية على الساحل المصري ، وانطاكيا على الساحل السوري ، والرها ونصيبين في شمال الرافدين. كان الشاميون هم الأكثر نشاطا وقدرة ابداعية بحكم موقعهم الجغرافي الساحلي وتمرسهم منذ القدم على التجارة والتنقل والتغلغل في كل شواطى البحر المتوسط ، حتى انتشرت الجاليات السورية في كل مكان وبرزت العناصر الشامية في روما في جميع المجالات الثقافية والعسكرية والدينية.
ان العرفانية هذه التي انبثقت في المنطقة، ماهي الا حصيلة التقاء وانصهار دام قرون بين الديانتين المصرية والعراقية في ارض الشام. بالحقيقة ، وكما بينا سابقا، ان الديانة العراقية عموما لم تهتم كثيرا بالحياة الأخرى بل ركزت على دور الآلهة العليا في قيادة الحياة المادية وخلق الخير والخصب والوفرة للبشر في هذه الحياة . حتى خلود الانسان لم يتم حياة اخرى مفترضة بل نفس الحياة الحالية من خلال الأسهام بعمل الخير وخلق خصب الحياة بالزواج وانجاب ألأبناء وتشييد الصروح الكبرى ..الخ. ان اسطورة كلكامش التي تعتبر(الكتاب المقدس) للعراقيين وعموم المشارقة خلال عدة آلاف من السنين ، قد اختصرت هذا الأيمان بالعبارات التالية:
(( لقد قدرت الآلهة الفناء للإنسان .. واستأثرت بخلود الحياة .. فإملأ بطنك بملذات الطعام .. وإبتهج ما شئت ليل نهار .. فهذا هو نصيبنا من الدنيا )) .
يمكن القول ان الديانة العراقية( والشامية) تقريبا ديانة(دهرية دنيوية) متشائمة جدا إزاء مصير الأنسان ما بعد موته: عالم الظلمات والفناء وما تحت الارض حيث تقطن الآلهة الشريرة. ثمة اشارات غير واضحة عن امكانية تحول بعض البشر النادرين الى نجوم خالدة تضيء الكون. بينما الديانة المصرية فهي تكاد ان تكون العكس. انها ديانة تؤكد كثيرا على الخلود في الحياة الأخرى ووجود عالم (يشبه الجنة) لا يدخله البشر الا بعد الحساب و(كيل اعمالهم في ميزان). لهذا فأن علاقة المصري مع الموت والمقابر ظلت حتى الآن اقل مقتا ورعبا، ولهذا ايضا لعبت الأهرام دورا كبيرا في هذه الحضارة من اجل اقامة الملوك بانتظار يوم الحساب!
على هذا الأساس يتبين الخطأ الكبير الذي وقع فيه معظم مؤرخي اليهودية ، عندما اعتقدوا انها متأثرة بالديانة المصرية، اعتمادا على ادعاءات التوراة نفسها بأن المؤسس الأسطوري الأول لليهودية (موسى) قد عاش في مصر. والحقيقة ان اليهودية(التوراتية) خالية تماما من جوهر الديانة المصرية : (الإيمان بالحياة الأخرى ويوم الحساب) . وبنفس الوقت فأن هذه اليهودية تحمل جوهر الديانة العراقية: (الإيمان بالحياة الدنيا فقط والاعتماد على رب سماوي جبار بانتظار المسيح المنقذ). هذا هو الفرق الحاسم بين اليهودية وباقي الأديان العرفانية التوحيدية وبالذات المسيحية التي تبنت بصورة كبيرة جوهر الديانة المصرية(كما سنرى).
ان العرفانية التي نشأت اولا في الشام، كانت هي ديانة الجمع العبقري بين ديانة(الخصب والرب المنقذ) العراقية وديانة(الحياة الأخرى ويوم الحساب والجنة الخالدة) المصرية. النقطة المهمة التي تلاحظ في(العرفانية) ان الرب المنقذ(تموز او البعل) لم يهبط كالعادة من اجل انقاذ(الحياة) الدنيا ونشر الخصب لكي يشبع البشر وتسير الحياة، بل من اجل انقاذ (الانسان) من هذه الحياة الدنيا التي تمثل ظلمة البدن وانحطاط الروح! ان الابن المنقذ(النبي والمهدي المنتظر) يأتي من اجل رفع الانسان الى(الحياة العليا الآخرة عالم النور والخلود)التي سبق ان هبط منها مع سقوط السلف الأول (آدم وحواء) من الجنة الى الارض. بشي من التبسيطية يمكن تحديد العرفانية كالتالي:(المسيح المنقذ المخصب العراقي الشامي + يوم الحساب والحياة الأخرى المصرية)!
منذ القرن الثالث ق.م بدأ هذا التيار الروحي الجديد يتجلى وينتشر بين شعوب شرق المتوسط ، وقد شاعت عنه الكثير من التسميات حسب المكان والطائفة ، مثل : الهرمزية المصرية، الأفلاطونية الجديدة ، العيسانية الفلسطينية. رغم ان تسمية (الغنوصية) اليونانية هي التي شاعت عن هذا التيار، الا ان التسمية الحقيقة الاصلية هي (المنداعية) الآرامية وتعني العرفانية بالعربي. مازلت هذه التسمية يحملها صابئة العراق (المندائية). هذه العرفانية بصورة مختصرة وكما تتضح من تسميتها هي عكس المعتقد (اللا ادري ) الذي يؤمن بأن حقائق الوجود معقدة والانسان غير قادر على معرفتها. بينما (المنداعية العرفانية) تؤمن بأن الانسان قادر على معرفة حقائق الوجود واكتشاف الخالق ليس بالعقل والبحث اللامجدي، بل بالمشاعر والحدس والايمان الواثق والكلي . تؤمن هذه الغنوصية بأن الوجود ينقسم الى ثنائي الخير والشر، النور والظلمة. الخير هو الاصل وهو روحي لا مادي ولا بدني ويتمثل بالنور والسماء ومقر الله رب الخير، اما الشر فهو كل شيء مادي بدني ويتمثل بالكثافة والارض والظلمة مقر الشيطان رب الشر. وان الانسان بحقيقته واعماقه هو جزء من قوة الخير والنور ، ولكن روحه سقطت على الارض ، كما سقط آدم بسبب معصيته، من الجنة عالم النور والحياة العليا ، الى الارض والحياة الدنيا .
بعد سقطة الروح القدس رمز الأم والانوثة والحياة تلقفها البدن رمز الشر والكثافة وملذات الحياة ومغرياتها ( الشيطان) من اجل منعها من العودة الى سماء الانوار رمز الاب والرب . لهذا فأن الله الأب يبعث ابنه أي بعض من روحه ونوره ليتجسد على الارض ويفدي نفسه من اجل التعويض عن خطايا البشر وخلاصهم من هيمنة قوى المادة والشر وعودتهم الى عالم النور والجنة ملكوت الله . وهذا بالضبط اساس التثليث في المسيحية الاب ، والابن عيسى ، وروح القدس الأم مريم . وهذا التثليث العرفاني المسيحي هو وريث للتثليث الكنعاني ـ العراقي المعروف : الأله الاكبر (ايل او مردوخ ) ، والابن (تموز او بعل ) ، والأم روح الخصب والانوثة (عشتار او عنات) . اسطورة موت تموز في موسم الصيف والقحط ثم عودته من جديد بواسطة عشتار الى الحياة في الربيع ، لا تختلف عن الرؤية العرفانية المسيحية عن صلب المسيح وانبعاثه. ليس صدفة ابدا ان الاحتفال بيوم (قيامة المسيح) يتم في اول الربيع في نهاية نيسان ، حيث ضل اهل الشام والعراق يحتفلون خلال آلاف الاعوام بعودة تموز جالبا الخصب والربيع في اول نيسان ( الذي يصادف حسب التقويم العراقي في 21 آذار الحالي)، وهو نفس عيد الفصح أي عندما تفصح وتضيء الحياة في الربيع. لقد انتقل عيد انبعاث تموز الربيعي المشرقي الى الشعوب المجاورة بأسم عيد نيروز (بعد الأحتلال الأيراني للعراق).
اليهودية بداية أم خاتمة؟
ثمة فكرة تاريخية خاطئة فرضت نفسها لأسباب عديدة ، تعتقد بأن (اليهودية) تمثل قطيعة تامة مع الماضي(الوثني التعددي ) وانها تمثل ولادة مرحلة جديدة من الميراث الديني التوحيدي. لكن الدلائل التاريخية تشير الى العكس تماما : ان اليهودية هي (خاتمة) لمرحلة (الوثنية) السابقة. صحيح انها شكليا تخلصت من تقديس(الأصنام) ، لكنها لم تتخلص من التعددية، كما يعترف بذلك كل من بحث في اليهودية. هنالك الأله(يهوى) وهنالك ايضا الأله(ايل) . ثم ان الأهم من كل هذا ان اليهودية تعتبر ان (يهوى) ربها القومي الخاص بها، وهذا يعني انها تقر بأن لكل قوم الههم الخاص، وهذا ينسف تماما فكرة التجريد والتوحيد المبنية اساسا على الاعتقاد بوجود (رب واحد ) لكل الأمم ولكل الكون. وهذه الفكرة المطلقة لم تتوضح الا فيما بعد في (العرفانية التوحيدية) وبالذات في المسيحية).
ان التأسيس الفعلي لليهودية بدأ في بابل (القرن السابع ق.م) حيث بدأت الجاليات الفلسطينية المسبية في بابل بكتابة (التوراة ) أي ميراثها الشعبي (كلمة توراة بالعربي هي تراث!). لقد ظلت فلسطين، وخصوصا جنوبها الصحراوي (منطقة يهودا التي وقعت تحت نفوذ بعض القبائل البدوية التي تسمى عبرانيين) ساحة صراع دامي لبسط النفوذ بين القوتين المتخاصمتين العراقية والمصرية. كثيرا ما تعرض هؤلاء الفلسطينيين للعقاب والسبي لتعاونهم مع المصريين. لهذا تكثر في الاجزاء البابلية من التوراة تلك الحكايات التي لا تخلوا من ( النفاق والتزلف) للعراقيين ضد خصومهم المصريين: قصة ابراهيم وسارة مع الفرعون، ثم يوسف وزليخة، ثم موسى والفرعون. بل ان قصة نوح مع ولديه سام وحام وخلق الجنسين الابيض والأسود، يمكن وضعها في هذا السياق العنصري ضد المصريين(ابناء حام!). من اكثر الأمثلة طرافة على رغبة هؤلاء المنفيين الفلسطينيين للتقرب من العراقيين، انهم ابتدعوا فكرة جدهم(ابراهيم) الذي نزح من (اور الكلدانيين) وكذلك زوجته سارة من نفس الأصل. ولكي يميزوا انفسهم عن (القبائل البدوية) رغم انهم هم انفسهم من اصول بدوية، قالوا بحكاية اسماعيل(جد البدو) وامه هاجر الجارية المصرية!! وللتعويض عن حالة الخضوع التي ظل يعاني منها هؤلاء المنفيين امام اهل بابل، فأن التوراة لا تخلو من الحكايات البطولية والمفاخر الاسطورية : بطولات داوود وشمشون وامبراطورية سليمان ومغامرته الشهيرة مع بلقيس. اما من الناحية الدينية فأنهم اقتبسوا الكثير من الميراث العراقي ومعتقداته الدينية: اقتبسوا يوم (السبت) الذي كان يوم عطلة ونهاية الأسبوع لدى العراقيين. اقتبسوا فكرة الخليقة والأله الاكبر وآدم وحواء والجنة والطوفان وعيد الفصح (عيد الربيع) والكثير من المعتقدات والطقوس والأزياء. (يعتقد ان عادة الختان بتأثير مصري). ثم انه في بابل بدأت تشيع تسمية(يهود) نسبة الى منطقة (يهودا) الجنوبية وكذلك (بنو اسرائيل) نسبة الى المنطقة الشمالية .
بعد اقل من قرن على وجودهم في بابل سقطت آخر دولة عراقية على يد الايرانيين في القرن السادس(ق.م). نتيجة لتعاون الجالية اليهودية مع الفاتحين فأنهم نالوا مكافأتهم بأن تم مساعدتهم على العودة الى فلسطين وتسليمهم السلطان كممثلين للدولة الأيرانية. لم تعد الى فلسطين الا اقلية ظئيلة من الغلاة والتابعين تماما للسلطة الجديدة ، وفضلت الأغلبية البقاء في بابل. واستمرت الجالية اليهودية العراقية كمركز اساسي للنتاج الثقافي اليهودي حتى زمن العباسيين وحتى نزوحهم في منتصف القرن العشرين .
شكلت المجموعة اليهودية العائدة الى فلسطين النخبة القيادية التي جهدت بكل ما تمتلك من سلطان وتأثير من اجل فرض مذهبها اليهودي (البابلي) على السكان الاصليين الذين كانوا محتفظين بميراثهم الديني الكنعاني. تتحدث المصادر اليهودية عن السياسة الأستبدادية والعنفية التي مورست ضد السكان الاصليين من اجل اجبارهم على اعتناق اليهودية البابلية( النقية والصحيحة!!) ومكافحة الديانة الكنعانية(البعلية) الاصلية. في فلسطين استمروا باكمال التوراة واخذ الحرية للحديث عن البابليين بصورة سلبية وعن بابل التي (بلبلت لسان البشر) والتي دمرها الاله لأنها آذت اليهود!!
ان هاتين التجربتين (روح المنفى البابلي ثم التبعية للمحتلين الأيرانيين من اجل تمثيلهم في فلسطين) حددت منذ البدأ جوهر التوراة واخلاقيتها. الكاتب الأسرائيلي المتمرد (اسرائيل شاحاك ) لخص تاريخ الاخلاق التوراتية كالتالي: من ناحية كره كل الناس غير اليهود(غويوم) وخصوصا الفلاحين لأنهم النقيض التام للمنفيين بسبب ارتباط الزراعة المباشر بالأرض. من ناحية ثانية تقدير الحكام والمتنفذين والأغنياء والتقرب لهم مهما كانوا اجانب وغرباء عن اليهودية ودعم طغيانهم ضد شعوبهم. حسب (شاحاك) هذه خصال تاريخ الجماعات اليهودية في كل مكان وزمان من دون استثناء.
نضيف نحن الى ذلك، أن (اليهودية) لم تعبر فقط عن(روح المنفى وكره الناس والتبعية للحكام ) التي كان يحملها المؤسسون الأوائل، بل هي خصوصا عبرت عن موت مرحلة كاملة عاشتها منطقة المشرق خلال آلاف الأعوام . هنا يكمن سر عظمة اليهودية وسر هذا التأثير السحري الذي مارسته على شعوب المنطقة بحيث تم اعتبارها(خطأ) أساس الأديان التوحيدية. ان الصدفة التاريخية مكنت اليهودية من معايشة آخر زفرات الحضارة العراقية وعموم الحضارة المشرقية التي دامت اكثر من ثلاثة آلاف عام شبه مستمرة. تمكنت التوراة بكل براعة ومأساوية ان تعبر عن خلاصة هذه الحضارة وهذه المرحلة التاريخية التأسيسية الكبرى، بكل آلام احتضارها وخيباتها ولعناتها ونكساتها وخياناتها. ان الصور المأساوية الفنية العميقة والصادقة السائدة في نصوص التوراة، لم تعبر عن معانات اليهود قدرما عبرت عن معاناة جميع شعوب المشرق وشعورهم بالأثم لأنهم خانوا ذواتهم ولم يتمكنوا من الحفاظ على سلطانهم وانحدروا الى اسفل مراتب الانحطاط . هنا يكمن سلطان وقدسية هذا الكتاب الديني الكبير.

المسيحية ذروة الديانة العرفانية
ان كشوفات وثائق مغارة قمران في فلسطين ، اثبتت بصورة قاطعة العلاقة المباشرة بين المسيحية والطائفة العيسانية الروحانية التي كانت نشطة في فلسطين اثناء ظهور السيد المسيح ، وان احد رموزها المعروفة هو (يوحنا المعمدان) الذي عمد المسيح. يعتقد ان اتباعه فيما بعد قد هجروا فلسطين نحو العراق حتى بلغوا جنوبه واستقروا هنالك ، وهم (الصابئة المندائيون).
من المعروف ان الديانة المسيحية قد نشأت اولا في مجتمع فلسطين الذي سيطرت عليه الديانة اليهودية منذ القرن السادس قبل الميلاد بعد سقوط بابل على يد الفرس وجعلهم لبعض يهود بابل حكاما على فلسطين. منذ ذلك الوقت بدأت اليهودية (البابلية) تفرض سيطرتها الرسمية على فلسطين وخصوصا بين النخب الحاكمة والمستفيدة، بينما كانت تنتشر بين الشعب، بالاضافة الى اليهودية، معتقدات عديدة عيسانية وبعلية تتفق على تقديس ديانة الخصب. اما بالنسبة للمسيحية، فلأنها نشأت في مجتمع فلسطيني تحكمه اليهودية (المتحالفة مع الرومان)، مما جعلها تتبنى الكثير من مقدسات التورات وانبيائها واساطيرها التاريخية كغطاء رسمي. لكن هذه المسيحية، على عكس اليهودية، انبثقت بين الفلسطينيين الفقراء واهل الحرف، أي بين الناس الشعبيين الحاملين حقا وحقيقة للميراث الديني الكنعاني السائد منذ آلاف الأعوام. يصح القول ان المسيحية اتت كرد فعل فلسطيني للتمرد على الاخلاق التوراتية الحاكمة والعودة الى الميراث الديني الكنعاني الانساني المنفتح على كل البشرية.
ان السيد المسيح ( ع ) هو الذي حل محل اله الخصب، الذي بعثه الله ليتجسد كأنسان ثم يخوض تجربة العذاب والتضحية من اجل خلاص البشرية. ان شخصية وحياة المسيح مليئة بدلالات الخصوبة : انه شاب مات في الثلاثينات من عمره، يقهر عناصر الطبيعة فتراه يمشي على الماء ويزجر الريح ويهدىء العاصفة ويشفي المرضى وله قوة التسلط على كل ماهو شر. وهو مخصب إذ يكثر الخبز والسمك ويحول الماء الى خمر ويتألم ويعاني ويموت ثم يقوم من الموت لتعاد هذه الامثولة كل عام . انه يهب الناس جسده ودمه ( خذوا فكلوا هذا هو جسدي .. اشربوا كلكم فهذا هو دمي .. ) ( انجيل متي ـ 26 ) فيأكل المسيحيون جسده (الخبز ) ويشربون دمه (النبيذ) ، ثم (تخصب) ارواحهم بالايمان ويحصلون على الخلاص في الجنة الموعودة (حيث الخصب والاخضرار الأبديين ) . وليس بالصدفة ابدا ان يتم الاحتفال بيوم قيامة المسيح أي عودته للحياة بعد صلبه في اول الربيع حيث قيامة اله الذكورة تموز اوبعل .
اما الهة الخصب حسب الاساطير الكنعانية فهي عذراء بتول ولها اسم (رحم) وهي ام مضحية حنونة تدافع عن ابنها بعل وتقاتل الهة القحط (موت) وهي التي تقوم بدفن بعل وتنوح عليه وتشيد له هيكل. وهذه كلها صفات السيدة (مريم البتول) ام المسيح . الجدير بالذكر ، ان المسيحيين الاوائل حتى بعد انتشار المسيحية لم يفكروا باختيار أي دور لأم المسيح (مريم) ولم تذكرها الاناجيل الرسمية الا بصورة عابرة . لقد تم الاكتفاء بأسخدام عبارة تجريدية عامة (الروح القدس) للتعويض عن (الهة الطبيعة الانثوية) . يبدو ان هذا التعبير لم يستطع ان يجسد بدرجة كافية الصورة المطلوبة، فلهذا فأن المسيحيين السوريين فضلوا ان يستعيدوا دور (مريم) الذي كان منسيا، حيث عادت وتبوأت مركز الصدارة كأم الاله. كان دور مريم وكيفية النظر اليها احد اسباب انشقاقات الكنيسة الاولى وخاصة آراء القديسين نسطور واوطيخا .
ان ديانة الخصب المشرقية ظلت شائعة حتى انبثاق المسيحية ثم انتشارها بين السكان الذين انتقلوا مباشرة من تقديس اله الخصب (بعل او تموز) الى تقديس السيد المسيح. ان اله الخصب والذكورة لدى الكنعانيين يلقب بـ( بعل ) وتعني (السيد والزوج المخصب ) كما في العربية . كذلك حمل لقب ( ادون ) بالآرامي بمعنى (الذي يدين) او السيد المسيطر ومنها كلمة (دين) بمعنى (الخضوع) للرب. وعندما سيطر الاغريق على سوريا اضافوا كعادتهم حرف السين فشاعت تسمية (ادونيس). اما اللقب الشخصي لهذه الاله فهو( هدد او حدد) بمعنى(القوي) فيقال (بعل حدد). اما الهة الطبيعة والانوثة فهي لدى الكنعانيين (عشتروت او عنات ).
يبدو ان اليهودية رغم انها ديانة (عراقية ـ فلسطينية) ، لكنها لم تكن ديانة تاريخية تلقائية شعبية بل قامت بصورة واعية مصطنعة بين مسبيّ بابل على أساس تجميع عدة ميراثات مناطقية وقبائلية مختلفة. لذلك فأن هذه اليهودية عبرت بصورة مشتتة ومتقطعة عن ديانة الخصب من خلال عدة حكايات وعدة آلهة متداخلة الاسماء والافعال : اله السماء والأب الاول ، حمل اسماء ايل ويهوا وابراهيم ويعقوب . اله الذكورة والخصب، حمل اسماء آدم وموسى وداود وسليمان. الهة الانوثة والطبيعة ، حملت اسماء حواء وسارا وبلقيس . اما المسيحية ، فأنها مثلت نوعا من العودة الى ديانة الخصب الشعبية الاصلية التي فشل اليهود بقمعها وتحريفها ، من خلال تبني ( التثليث الالهي ) : الاب والابن والروح القدس.
رغم روحانية وعرفانية الديانة المسيحية الا انها رغما عنها عبرت عن ظروف المرحلة التي نشأت فيها ، ومتطلبات الشعوب الشرقمتوسطية التي رعتها ونشرتها . انها تحولت الى وسيلة لهذه الشعوب من اجل التعويض عن خنوعهم السياسي وفقدانهم للأستقلال الوطني. لقد تمكن المبشرون الشاميون من نشر ديانتهم هذه في عموم البحر المتوسط حتى فرضوها على محتليهم واصبحت الديانة الرسمية للدولة الرومانية. بينما تمكن المبشرون العراقيون من نشر المسيحية النسطورية في عموم الامبراطورية الايرانية وآسيا حتى الصين، ولا زالت حتى الآن الطائفة السريانية النسطورية في منطقة مالاربو في الهند. ان اكبر دلائل استخدام المسيحية من قبل المشارقة العراقيين والشاميين كوسيلة للتعويض عن خضوعهم السياسي ، انهم تمكنوا من فرضهم لغتهم الآرامية السريانية لتكون لغة الكنائس في بلدانهم. بل ان العراقيين تمكنوا من جعل الآرامية(السريانية) لغة الثقافة الاولى في الامبراطورية الايرانية، وعزل اللغة البهلوية الفارسية لتبقى محصورة بالبلاط الساساني والكهنوت الزرادشتي!
ان المسيحية ظلت خلال القرون الاولى خاصة بشعوب العالم الشرقمتوسطي لأنها عبرت عن تطلعاتهم الروحية والوطنية . بالأضافة الى دور الشاميين الذين اسسوا كنيستهم الوطنية اليعقوبية ، والعراقيين الذين اسسوا كنيستهم الوطنية (النسطورية)، كذلك اسس المصريون كنيستهم القبطية وقدموا الى المسيحية القديس انطون اول مؤسس للرهبنة ونظام الاديرة. اما بالنسبة لشمال افريقيا فقد انتشرت المسيحية على كل الضفاف، وقدمت هذه الشعوب الى المسيحية ايروس الليبي اشهر الهراطقة والقديس اوغسطين الجزائري اول فلاسفة المسيحية بالأضافة الى الدوناتية اول حركة ثورية مسيحية .

ديانة الخصب العرفانية في معتقدات المنطقة
ان الإسلام قد ورث هذه الديانة العرفانية التوحيدية من خلال احتوائه على اساسياتها: ((النبي المنقذ الحامل لرسالة الرب من اجل انقاذ البشر من كفرهم وخضوعهم لغرائز الحياة الدنيا واغواءات شيطانها ، من خلال العمل الصالح يفدي الانسان روحه وينقيها من آثام الدنيا لتصعد الى الرب الرحيم بانتظار يوم الحساب والانتقال الى الحياة الأخرى وجنة الخلود)).
هذا هو الجوهر الروحي الديني للأسلام . لكن ظروف المرحلة، أي قرون الأحتلال الاجنبي التي ظلت تعاني منها شعوب المنطقة ، فرضت على الأسلام جوانب عملية وحياتية وسياسية. ان ميزة الاسلام عن العرفانية والمسيحية انه لم يتوجه فقط للأنسان كفرد، بل انه ايضا توجه الى الشعوب والأوطان والدول من اجل ان تبني نظاما جديدا اكثر عدلا وكرامة. ان هذه الميزة الجديدة فرضتها حاجة شعوب المنطقة من اجل التحرر والكرامة الوطنية. ان المسيحية شكلت الاساس لتنقية الروح ودفعها الى الصبر والأمل (في الحياة الاخرى) . اما الأسلام فأنه أعاد من جديد المعادلة السابقة : الديانة العراقية التي تقدس الحياة الدنيا والديانة المصرية التي تقدس الحياة الأخرى.ان افضل قول مأثور يعبر عن هذه الفكرة الاسلامية الجديدة وينسب الى الأمام علي ( ع )
( اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا)). ان الأسلام لم يمزج بين الديانتين العراقية والمصرية كما فعلت العرفانية، بل جمع بينهما بصورة متجاورة بحيث يبقي على ماهية كل منهما من دون حذف او اختصار.
لكن العرفانية بشكلها الروحاني المسيحي بقيت واضحة كما هي في الكثير من التيارات والطوائف الأسلامية: المتصوفة لدى السنة وفي الكثير من المعتقدات الشيعية، حيث التأكيد على وضاعة الحياة الدنيا وتقديس الحياة الأخرى. بالاضافة الى التعلق بشخصية المخصب المنقذ(المهدي المنتظر).
من المعروف ان الميراثات الشعبية بطبيعتها تلقائية يحكمها منطق الزمن والشعور الباطني الجمعي بالاضافة الى تأثير الصراعات السياسية وموازين القوى وتدخلات الافراد. لهذا فأننا كثيرا ما نواجه تكرار للشخصيات والاحداث وتناقض الاخبار احيانا . يجب الاخذ بنظر الاعتبار المحصلة العامة الوسطية لمجموع تفاصيل هذا الميراث . مثلا ، رغم ان السيد المسيح يمثل بصورة كافية اله الخصب، الا ان الشعب لم يكتفى بهذا الرمز بل بحث عن شخصية اضافية لها نكهتها وخصوصيتها لكي تعبر عن (بعل ) القديم. ان (مار جرجيس) هو اكثر القديسين الشاميين شعبية بين المسيحيين، وقد انتشر اسمه في كل انحاء العالم المسيحي، بأسم ( جورج ، جرجس ، جرجي ، غيورغي…) ، ودلالة الخصب تكمن في معنى الاسم نفسه ، فأن ( مار ) الآرامية بمعنى (السيد أي الأمرؤ) ثم اسم ( جرجيس اوجورج ) ذا الاصل السامي واليوناني ومعناه (حارث الأرض). والحكاية المسيحية المعروفة عن هذه الشخصية الاسطورية، انه من مدينة اللد الفلسطينية وانه صارع التنين من اجل انقاذ ابنة الملك المسيحية. وهذه الاسطورة شبيهة جدا بالأسطورة البابلية السورية عن صراع مردوخ (اله الخصب) ضد تعامة (الهة العماء والموت) الممثلة بتنين، وكذلك شخصية كلكامش وصراعه مع وحش الغاب من اجل الخلود. شخصية مارجرجيس تستبدل ايضا بشخصية (مار الياس)، وهي تكرار شخصية الأله ( ايليا ـ لعالي).
اما عند المسلمين فهنالك شخصية( الخضر) او (خضر الياس) التي تحمل معنى الخصب والأخضرار. (الخضر) يذكره القرآن على انه شخصية تقية تفوق النبي موسى علما ( سورة الكهف ـ الآيات ( 65 – 82 ) . اما المتصوفة المسلمون فأنهم يرتبطون بعلاقة حميمة خاصة به فهو يرشدهم ويلهمهم ، وابن عربي في ( فتوحات مكية ) يروي عن لقاءاته العديدة مع الخضر . ويظهر في بعض التصاوير الشعبية وهو يقتل الوحش. وقد اقتبس الاتراك العثمانيون شخصية خضرالياس بأسم ( خدرلس ). حتى الدوائر الرسمية العثمانية اختارت يوم ( 23 نيسان ) الذي هو عيد (بعل) الربيعي لكي يكون يوم بداية الاعمال العسكرية والبحرية والادارية . وينشد الفلاحون في فلسطين الاغنية التالية : ((ياسيدي خضر الاخضر … اسقي زرعنا الاخضر … ياسيدي يا مارالياس … اسقي زرعنا اليباس)) .
اما لدى المسلمين الشيعة فأن معتقد الخصب له حضور متميز واساسي يجعل من التشيع قريب الى المسيحية الى حد بعيد. الشيعة يقدسون الخضر اكثر من أي ولي آخر، وهنالك تداخل بين اسم الخضر واسم (علي) الذي هو نفسه اسم ( ايليا ـ الله ). هنالك حكايات تنسب للأمام علي قوله انه نفسه (ايليا ) المذكور في التوراة . ( مناقب آل ابي طالب ـ ج 2 ص93 ) . يبدو ان شخصية (الامام علي) وما يحيط بها من اساطير عن خلوده ووجوده حتى قبل آدم وخوضه لتجارب عديدة مع الانبياء المعروفين ، جعلت منه اقرب الى شخصية الأله الأب ، اما ابنه (الشهيد الحسين) فأنه يتطابق الى حد كبير مع شخصية اله الخصب تموز والمسيح المصلوب الذي يخصب الارض بدمه. والشيعة هم الذين اضفوا على شخصية (السيدة فاطمة بنت الرسول) قدسية خاصة تشبه شخصية مريم العذراء ، فهي (فاطمة البتول) وزوجة الامام علي وام الشهيد الحسين ( عليهم السلام ) وصانعة المعجزات (بتولا كلمة سامية اطلقت على عشتار وعلى مريم !!). ومثلما ينتظر المسيحيون عودة المسيح الذي سيقودهم الى الخلاص ، فأن المسلمين ينتظرون ايضا المسيح المنقذ. بالنسبة للشيعة يضاف الى المسيح الامام علي والامام المهدي المنتظر صاحب الزمان .

ان هذا المدخل التاريخي يبتغي التأسيس لعملية مراجعة شاملة لتاريخ العراق (وعموم المشرق)، الذي كتب بواسطة المنهج القومي العرقي التوراتي الاستشراقي الذي مزق ميراثنا الحضاري والديني وبعثره الى مراحل اجنبية منفصلة لايربطها أي رابط . ان تمزق شعب العراق (وشعوب المشرق) الى معسكرات طائفية وعرقية وسياسية (علمانية ودينية) مشتتة وخاضعة لحكومات اقلوية منعزلة، متأت من تمزيق تاريخ بلادنا الوطني الى تواريخ منفصلة. اننا بحاجة ماسة لأعادة كتابة كل تاريخنا وميراثنا الوطني، تحت شعار : توحيد التاريخ هو اساس توحيد الحاضر…
بقلم سليم مطر
http://www.salim-matar.com/Pages/11.htm
من المعروف أن أسماء الأشهر “يناير فبراير مارس الخ” لاتينية وليست يونانية، وهي مشتقة من أسماء آلهة في الميثولوجيا الرومانية (ינואר / يناير باللاتينية Januarius نسبة إلى الإله الروماني Janus وهلم جراً). ويسمى هذا التقويم الشمسي المعتمد لدى معظم المسيحيين “بالتقويم الغريغوري” نسبة إلى البابا غريغوريوس (1582) الذي أدخله في الاستعمال الرسمي بدل التقويم اليوليوسي وهو التقويم الشمسي الذي وضعه قدامى المصريين وجرى العمل به حتى أيام البابا غريغوريوس الذي استبدله. ويقسم التقويم الشمسي السنة إلى 365 يوماً كما هو معلوم (وتخضع لإضافات وتعديلات معينة لا مجال لذكرها هنا).
ويقابل التقويم الشمسي (المبني على أساس دوران الأرض حول الشمس) التقويم القمري (المبني على أساس دوران القمر حول الأرض). والتقويم الشمسي الذي ينطلق من ميلاد اليسد المسيح، وهو التقويم المعتمد دولياً اليوم.
ولليهود تقويم مخصوص بهم هو تقويم قمري يبدأ من مطلع شهر “تِشْرِي” سنة 3761 قبل الميلاد وهو التاريخ الذي اعتبره اليهود بداية الخليقة، يستعملونه في مناسباتهم الدينية. وأسماء الأشهر فيه هي تقريباً نفسها أسماء الأشهر التي التي يستعملها العرب المشارقة: “شباط، آذار، تشرين الخ” ذات الأصول الآرامية والبابلية وحتى السومرية (تموز: من “دوموزي”، إله الحصاد في الميثولوجيا السومرية). والتقويم اليهودي تقويم قمري مثل التقويم الهجري، تتكون شهوره من 29 أو 30 يوماً. ويستعمل اليهود تقويمهم متبعين الطريقة ذاتها التي يتبعها المسلمون في تقويمهم الهجري، أي بذكر التاريخ الهجري وإردافه بموافق لكذا وكذا من التاريخ الشمسي.
نحن جماعة هَرِى كْرِشْنَ بصدد إنشاء فرع عربي مستقل للحركة وبحاجة إلى بعض الكفاءات للتدقيق في صحة اللغة العربية للتراجم قبل نشرها.
لذلك، ندعو كل من يجد بنفسه الكفاءة اللازمة للمساهمة والتعاون معنا أن يتصل بنا للإنضمام إلى فرقتنا الصغيرة للعمل على تقديم العلم الـڤِدي إلى شعوبنا العربية بما سبقتنا إليه سائر الشعوب.
في أوساط المسلمين ، تستعمر العقول « فوبيا » من النوع الأخطر، لا تستثني قائداً ولا مقاداً، تحمل عنواناً مبرقشاً: الصحوة الاسلاميّة !
ولأن هذا المصطلح متداول في تلك الأوساط أكثر من تداول القمع، لا حاجة بنا لتقديم مقاربات تفسيريّة له.
- مع ذلك، فاعتقادنا الراسخ الذي لا سبيل إلى دحضه بحجّة دامغة (- يمكن دحضه بسهولة عبر سلاح المصادرة الأشهر -) هو أنّ هذه الصحوة هي صحوة «موت»!
فهذا المريض المبتلى بمجمل ضروب الآفات المزمنة المهلكة، والذي صحا فجأة (!!!) مع ضخّ نفط ودولارات وإرهاب في عروقه، لا يمكن للزمن إلاّ أن يقضي عليه .
مشكلة المسلمين انحباسهم في زنزانات تفاسيرهم الخاصّة لنصوصهم المقدّسة: فهم لا يستطيعون حمل مفاهيمهم الدينية والدخول بها إلى عالم الحضارة، ولا يستطيعون رميها خوفاً على ذواتهم من التعرية التراثية. والحقيقة أننا لن نحزن كثيراً إذا انقرضوا، لأنهم صاروا بالفعل، عبر هذا الإنسجان الذاتي، عبئاً على الحضارة – دونهم يمكن للحضارة أن تصبح أكثر جمالاً وتحرّراً وفراشية: من لا يصدّق ذلك ، ما عليه إلا أن يفتح خارطة العالم ويتفحّص هوية أماكن الاضطراب والإرهاب والحروب المعيقة لتقدّم البشرية وتحضّرها ليجد الاسلام هوالسبب.
هل هي صحوة ؟
بثقة حاخامية مريعة، يجلس الباحث الإسلامي في محطة تلفزيونية نفطية ليبث أساطير غبية على مسامع شعب يضع أقدامه في القرن الحادي والعشرين ورأسه في القرن السابع ، تحمل عناوين براقة زائفة من نمط:
«تاريخنا المجيد»، «حضارتنا العظيمة»، «خلفاؤنا الفاتحون»، «قادتنا الرحيمون» ، «شيوخنا الأجلاء» ، «أجدادنا الأتقياء»…!
وحتى لا يتبرّع أحدهم للاصطياد في الماء «الأعكر»؛ نقول: نحن – كسوريين – نؤمن بأننا «كنّا» (- وكان فعل مضى حتى الموت-) نمتلك ماضياً حضارياً عظيماً، لكن الغزو العربي – الإسلامي «تحديداً»، حطّم ذلك كلّه حتى السحق بحيث يبدو من المستحيل بناء أي شكل جديد للحضارة.
مثال:
إذا قارنا، كسوريين، بين شكلي حكم عرفتهما سوريا، واحد قبل الإسلام، هو الإمبراطورية الزنوبية، وآخر بعده، هو الخلافة الأموية، لوصلنا إلى النتائج التالية:
كانت زنوبيا « حاكمة » وطنية – حضارية بالمعنى الكامل للكلمة : أشادت عاصمة أسطورية عجزت عن إزالتها كلّ عوامل البغي والتصحّر؛ كوّنت جيشاً كاد أن يسحق روما بعظمتها وسطوتها؛ حاربت أعداءها القوميين ببسالة لا تضاهى، واختارت الموت واقفة على الاستسلام .
والأهم من هذا وذاك أن زنوبيا هذه كانت مفكّرة قومية من طراز رفيع: فقد جاءت ببولس السميساطي، بطريرك أنطاكية آنذاك، إلى بلاطها، كي يخلق لها مسيحية سوريّة؛ واستدعت الفيلسوف لونجينوس الحمصي، كي يضع لها الأسس لفلسفة سوريّة. – وانتهى الاثنان بانتهاء الملكة الأعظم: فماذا خلّف لنا بنو أمية؟.
كانت سوريّا، قبل الغزو العربي الإسلامي، أغنى دول العالم ربما بالحركية الفكرية و الحضارية والعمرانية وكان أفضل تعبير عن تلك الحركية الدينية هو ذاك التنافس الفاعل بين المذاهب (التيارات الفكرية) الدينية. وإذا ما استشهدنا بالمسيحيين فقط لاكتشفنا ببساطة حقيقة أن غالبية تياراتهم المتنافسة آنذاك كانت سورية الأصل أو الأيديولوجيين. فالتيار المونوفيزيتي ترسّخ عملياً بفعل جهود راهب سوري اسمه يعقوب البرادعي؛ التيار المونوتيلتي أسّسه الموارنة السوريون؛ النسطورية جاءت من نسطوريوس السوري؛ آريوس كان تلميذ لوقيانوس الأنطاكي السوري الشهيد؛ ولا حاجة بنا لذكر التيار الخلقيدوني السوري، لأن مفكّريه كانوا أكثر من أن يعدّوا: هل تكفي الإشارة إلى ثيودوروس القورشي؟
هذا كلّه، كلّه، انتهى بضربة واحدة من الغزو العربي – الإسلامي، وأضحت الحضارة السورية محصورة في بضع أديرة وبلدات، معزولة، متعبة.
ملاحظة سريعة:
لقد حاربت زنوبيا من أجل استقلال الوطن عن روما : فما هي المعارك المفصلية التي خاض الأمويون غمارها؟
أهي موقعة الحَرّة التي يتكتم عنها الكثيرون و التي جرت في المدينة « المنوّرة »، و التي قُتل فيها خيرة الصحابة والتابعين، وتحوّلت بعدها عاصمة النبي من منبع للفقه إلى سوق نخاسة يصدّر القيان والسذّج إلى دمشق عاصمة الأمويين!
أم كربلاء التي قُتل فيها أولاد عليّ بن أبي طالب، وسيقت نساء بني هاشم وحُملت رؤوس رجالهم من العراق إلى دمشق حيث أمير مؤمني عصره! مكّة التي قُتل فيها عبد الله بن الزبير وصُلب ميتاً حتى كاد أن يُبلى… الخ!
ماتت زنوبيا دفاعاً عن وطنها كأرزة واقفة: فكيف مات أمراء المؤمنين ؟؟؟
خلفاء بني أمية؟ باستثناء معاوية الداهية الذي أوصله حرصه وخوفه من ميتة كميتة علي بن أبي طالب إلى الموت على فراشه كما يموت البعير، فقد مات خلفاء بني أمية عموماً بطريقة تذكّرنا بموت أبطال روايات كافكا (غريغور سامسا بطل الـVrewandlung مثلاً) أو مسرح اللامعقول!
-فإحدى روايات موت أمير المؤمنين يزيد بن معاوية تقول إنّه مات بعد أن عضّه قرد سكران في زلعومه، وكان القرد آنذاك سمير أمير المؤمنين في جلسات أنسه.
- معاوية بن يزيد سمّه أولاد عمه بعد أن تخلّى عن الخلافة المغتصبة بإرادته؛ مروان ابن الحكم خنقته زوجته – أرملة يزيد – وجواريها بعد أن شتم ابنها من يزيد علناً، بقوله: يا ابن رطبة الإست(!!!!) .
- عمر بن عبد العزيز سمّه أولاد عمومته .
- هشام بن عبد الملك مات قرب إحدى القيان التي ماتت قبله، وكانا يسكران معاً، فأخرج الجثّة من القبر بعد دفنها وظلّ بجانبها حتى فارق الحياة .
- الوليد بن يزيد قتله أخوته وأولاد عمومته.
- مروان بن محمد قتله العباسيون وقطعوا رأسه، فأكل منه سنور شيئاً… الخ!!!
بقي أن نذكر أنّ أشهر ما ينسب للأمويين من الأوابد الحضارية في دمشق، الجامع الأموي، ليس من صنعهم. كان كنيسة مسيحية (قبل ذلك كان معبداً وثنياً) تحمل اسم يوحنا المعمدان، فسرقوها وحولوها جامعاً لهم.
ملاحظة:
العباسيون، الذين لا يقلّون تحضّراً عن أخوتهم من بني أميّة، حوّلوا ذلك الجامع، حين دخلوا دمشق، إلى اسطبل لحيواناتهم!
هل هي صحوة؟
يحمل الإسلاميون سيف فهمهم الدموي للشريعة حيثما يحلون، يريدون أن يهووا به على كلّ رأس يفكّر بغير طريقتهم المحنطة. – لماذا؟ لأنهم يعتقدون أنّ ما يعتقدون به من مصدر إلهي: ومن ذا البشري الذي يستطيع معارضة الإلهي؟! لكن هل يكفي الاعتقاد بحقيقة شيء حتى يصبح هذا الشيء حقيقياً؟ لا! الاعتقاد بأن شيئاً حقيقي وكون شيء حقيقياً بالفعل مسألتان غير متطابقتين على الدوام! من هنا، فنحن نعتقد أنه لا مانع أن يطبّق المرء على ذاته ما يعتقد أنه من مصدر إلهي، لكننا سنمانع بشدّة سعيه لتطبيق ذلك على غيره، خاصة إذا كان يفتقد الأدلّة الحسية على صحّة اعتقاده!
بالمقابل، فنحن نمتلك أدلّة كثيرة أن رموز الإسلام الأوّلي، كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعائشة بنت أبي بكر، خالفت الشريعة على نحو فاضح!
ونحن « نعتقد » أنهم لو كانوا « يعتقدون » بمطلقيّة تطبيقها لما خالفوها !
أمّا دليلنا الخارجي، فيقول: إنّ الجانب التشريعي في الدين المقارن يظهر أن قواعد ونظم استنباط مثيرة في الشريعة الإسلامية مأخوذة بالكامل تقريباً عن أختها الكبرى، الهالاخا اليهودية.
ما يصحّ على الشريعة يصحّ أيضاً على العقيدة. وكان ابراهام غايغر من أوائل الذين أشاروا إلى الأصل اليهودي للعقائد الإسلامية في كتابه الطليعي، ماذا أخذ محمد عن اليهودية؟؛ وجاء بعده شباير الذي فصّل ذلك بدقة في عمله الهام، الحكايا الكتابية في القرآن، الذي نشرنا بعضه تحت عنوان، القصص الديني، فأقام دنيا المسلمين ولم يقعدها؛ وصودر في كل الدول العربية، عدا لبنان!
في القصص الديني بدا واضحاً للغاية أنّ تفاصيل خلق العالم والعائلة البشرية الأولى مأخوذة عموماً عن الهاغاداه اليهودية، التي أخذتها بدورها عن أساطير بلاد ما بين النهرين. لكن هذا الوضوح يصل إلى قمته في حكاية النبي ابراهيم الإسلامية المأخوذة بتفاصيلها الدقيقة عن سفر معاسه أبراهام الهاغادي. مع ذلك، ثمة سؤال « علمي » يطرح ذاته بإلحاح مزعج هنا: كيف يمكن للإله، الذي أوجد البشرية منذ ملايين السنين، أن يسمّي كائناته البشرية الأولى بلغة (-العبرية!!!-) لا يتجاوز عمرها ألوف السنين؟ ولماذا «تحديداً» لغة هذا الشعب المفضّل على العالمين، دون غيرها من لغات الشعوب الحضارية؟ هنا يقفز إلى صدر الصورة سؤال أكثر إزعاجاً وإبغاضاً: كيف لم يأتِ إلى هذا الوجود يوماً رجل دين مسلم استطاع تحرير عقله والتساؤل عن الحقيقة التاريخية الكامنة خلف قصّة خلق العالم والعائلة الأولى العقائدية، التي لا يخفى طابعها الأسطوري؟ يبدو أن سيف الاسلاميين الأشهر يهدّد العنق مانعاً الرأس عن أية حركية فكرية!
مستقبل العقل… والإنسان!
لا يمكن لهذا الوضع أن يدوم ، وسينتهي مع انتهاء النفط وسيطرة البدو على العقل في المنطقة. وستجتاح العولمة رغم كل شيء، شبكات العناكب نصف المهترئة، ولن يستطيع سيف قديم ملطخ بآثار الدماء منع التقنيات الحديثة عن نقل ما تشاء من أفكار إلى تلك العقول المحنّطة! – فما هي صورتنا للإسلام، إذا تسلّلت كل تلك المحظورات إلى دواخلنا، دون خوف أو وجل؟
مما لا شك فيه أنّنا، حين نتكلم عن الإسلام، فنحن نعني بذلك طبعاً الإسلام التكفيري، المقولب، الذي أقفل في وجه ذاته كلّ أبواب اجتهاده ( – اعتقل عقله بذاته – ) منذ أيام الخليفة الأسوأ سمعة، المتوكل على الله العباسي! الإسلام التكفيري، دون مواربة أو مداورة، يحمل في داخله جرثومة مقتله. وإذا كانت السيوف حمت هذا التيار الإسلامي الأعرض – للأسف – من أن ينقرض بفعل احتكاكه مع التيارات الأخرى، إسلامية كانت أم غير إسلامية، فإن انتهاء مفعول السيوف ( – لم تعد تستعمل إلاّ في الرقص الشعبي – ) وتهاوي المصادرات أمام العولمة، سيجعل من الإسلام التكفيري أحد المذاهب التي ستنقرض حتماً في القرن القادم، مع أخته الكبرى، اليهودية الأرثوذكسية.
ولا نشك للحظة أن عموم السنّة التكفيريين سينتهون إمّا إلى تيّار إسلامي آخر أو كعلمانيين أو إلحاديين. قد تظلّ هنالك جزر تكفيريّة إسلاميّة معزولة في هذا المكان أو ذاك؛ لكن تلك المناطق ستكون محدّدة بأفراد معاقين فيزيولوجياً عن صيرورة التفكير؛ وهكذا تتّحد الإعاقة الفيزيولوجية بالإعاقة الدوغماتية ليتولّد بالتالي أصلب العقائد سكونية فكرياً وأعصاها على الصيرورة حركياً.
ودون مجاملة أو تغيّر في المواقف، فإننا نلحظ عند كثير من أهل السنّة والجماعة ميلاً للخروج من عنق زجاجة التكفيريين، الذين أساءوا للعرب وللإسلام، رغم أن رموز الانفتاح عند هؤلاء تتعرّض لحملة تشنيع لا سابق لها في سوريّا …!
منتدى نبيل فياض الرسمي
http://liberal-life.net/vb
القُرْبان هو أي شيء يُضَحَّى به ويُتَقَرَّبُ به إلى إله ما، وهو على أصناف كثيرة لدى الشعوب القديمة، فمنه ما يُقدَّم ذبيحةً، ومنه ما يُقدّم حرقاً، ومنه ما يكون ماشيةً، ومنه ما يكون بشراً، مثل الأطفال الذين كان الفينيقيون يقدمونها ذبحاً أو حرقاً للإله بعل، ومثل الأطفال الضعفاء الذين كان أهل اسبارطة من قدامى اليونان يضحون بهم، ربما للتخلص منهم.
وفي الأديان السماوية (الإسلام والنصرانية واليهودية): القُرْبان هو الأضحية التي يضحي بها المؤمن إحياءً لشعيرة ما أو تصدقاً بهدف التقرب إلى الله.
وأما أصل الكلمة، فهو كما قد تلاحظين من الجذر الثلاثي قرب الذي يفيد في كل اللغات السامية معنى القُرْب المعروف، فالقُربان هو ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله سبحانه وتعالى. وهو عند المسلمين: شعيرة الأضحية التي تقدم ذبيحةً يوم الأضحى الأكبر، أقول ذبيحةً إذ لا قرابين عندنا تُقدَّم حَرقاً (كما كان الأمر عليه في اليهودية).
وإليك حاشية تأثيلية مقارنة تؤرخ للجذر قرب و لكلمة قُرْبان في اللغات السامية:
1. (قرب): العربية: قَرُبَ؛ الأكادية: قَرابُ “قَرُبَ”؛ الأوغاريتية: قرب “قَرُبَ”؛ الحبشية: قَرَبَ “قَرُبَ”؛ السريانية: ܩܪܒ = قِرِب “قَرُبَ”؛ العبرية: קרב = قَرَب “قَرُبَ” (بلفظ الباء V).
2. (قُربان): العربية: قُرْبان؛ الحبشية: قِرْبان؛ السريانية: ܩܪܒܢܐ = قُرْبانا (وألف المد آخر الكلمة للتعريف)؛ العبرية: קרבן = قُرْبان وكله يعني “قربان” أي ما يقدم من أضاحي يُتُقَرَّب بها إلى الله.
وتحية طيبة.
حاشية في أصل العَلْمانِيَّة
العَلْمانِيَّة مشتقة من الكلمة عَلْم (بفتح العين)، وهي مرادفة لكلمة عالَم، ولا علاقة لها بالعِلْم (بكسر العين) كما توهم البعلبكي صاحب المورد، الذي أوردها بكسر العين هكذا: عِلْمانِيَّة!
وأعتقد أن هذه اللفظة اشتقت أولاً في السريانية حيث وردت كلمة عالَم فيها هكذا: /ܥܠܡܐ: عَلْما/ (والألف نهاية الكلمة للتعريف في السريانية)، خصوصاً وأن المعنى الغالب في الكلمة السريانية هو الدهر، فالعلماني هو الدهري في السريانية.
ومن الجدير بالذكر أن الجذر السامي /ع ل م/ يفيد في جميع اللغات السامية معاني الدهر، السرمدية، العالَم، الزمن اللامتناهي، إذ يجانس الكلمة السريانية /ܥܠܡܐ: عَلْما/ في العبرية: /עולם: عُولَم/ (ومنه البسملة اليهودية: בשם יהוה אל לעולם: بِشِم يَهوه إِلْ لَعُولم = بسم يهوه إله إلى ما لا نهاية)، وكذلك /عَلونو/ في البابلية و/عالَم/ في الحبشية وسائر اللغات السامية.
الدكتور عبد الرحمن السليمان